نصر حامد أبو زيد
82
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
إن افتراض « تكرر » نزول السورة أو الآية ليس في حقيقته إلا عجزا عن مواجهة آراء السابقين واجتهاداتهم بالنقد والتمحيص ، وهو عجز نابع من الايمان بقداسة الأشخاص ، ومن ثم من الايمان بسداد آرائهم واجتهاداتهم . هذا الايمان والولاء للماضي يشبه إلى حد كبير موقف الخطاب الديني المعاصر في تقديس المرويات القديمة والاكتفاء بموقف التوفيق بينها ، وعدم القدرة على تخطئة أي منها وصولا إلى أي قدر من مقاربة الفهم العلمي . وليس لهذا الموقف في القديم أو الحديث من تفسير إلا سيطرة قوى التخلف على واقع المجتمعات الاسلامية ، وهي قوى تقف ضد تحرير العقل وتحارب بضراوة أي محاولة لاتخاذ موقف نقدي من التراث . ولا يكون أمام المفكرين المساندين لهذه القوى بالوعي أو باللاوعي إلا الركون إلى « التقليد » الذي يضمن لهم - فيما يظنون - سلامة الدنيا والآخرة « 1 » . وعلى ذلك لا نجد علماء القرآن يرفضون رأيا من الآراء في قضايا المكي والمدني أو قضايا أسباب النزول ، فلكل رأي وجاهته ، ولكل رواية مبررها ومشروعيتها ما دامت رواية صحيحة بمنهج النقد الخارجي ، نقد السند والتحقق من صدق الرواة . فإذا استوت الروايتان في الصحة فالمرجح بينهما أن يكون الراوي حاضرا القصة أو نحو ذلك من وجود الترجيحات . والمثال الذي يناقش هنا هو الآية : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا « 2 » . ورغم أن الآية مكية باتفاق فان البخاري يورد عن ابن مسعود رواية في سبب نزولها يجعل منها آية مدنية ، وهي رواية مخالفة لرواية ابن عباس التي تجعل منها آية مكية وهي رواية رواها الترمذي ، والروايتان هما : « قال كنت أمشي مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالمدينة وهو يتوكأ على عسيب فمر بنفر من اليهود فقال
--> ( 1 ) يمكن أن نرد هذا الموقف على المستوى الفكري إلى سيطرة الاتجاهات اللاعقلية بسيادة المنهج الأشعري في مجال العقائد والمنهج الصوفي في مجال السلوك ، وهما المجالان اللذان ربط بينهما أبو حامد الغزالي في كتبه كلها كما سنوضح في الباب الثالث من هذه الدراسة ، وكما سبق أن ألمحنا في دراسة سابقة : Al - Ghazali's Theory of Interpretation . وفي ظل هذا الاتجاه صنّفت الاتجاهات الأخرى في الفكر الديني كالمعتزلة والشيعة والفلاسفة بوصفها اتجاهات « منحرفة » . ولم يبق سوى ما أطلق عليه « مذهب أهل السنة والجماعة » ، وكانت هذه - فيما ندري - أول صياغة لصك البراءة والطهارة - صفة السني - لاتجاه واحد من اتجاهات تراثنا الفكري . وما زال هذا الصك يمارس فعالياته الإيديولوجية حتى اليوم ، فعندنا « أئمة أهل السنة » و « علماء أهل السنة » و « جمعية أنصار السنة » بحيث صار مفهوم « السنة » اليوم مفهوما أيديولوجيا ، لا مصطلحا علميا . ( 2 ) سورة الإسراء : الآية 85 .